اللقاء التشاروي بين
الجمعية اللبنانية لعلم الاجتماع وهيئة الرعاية
في إطار الجهود التي تبذلها الجمعية اللبنانية لعلم
الاجتماع ، من أجل إدخال علم الاجتماع إلى القطاعات الأكثر
فاعلية في المجتمع، وإدخال هذه القطاعات إلى علم الاجتماع،
وبعد أن تم تشكيل هيئة لرعاية برنامج الجمعية خلال
العامين2002 – 2003، عقد يوم أمس الأول اللقاء التشاوري
الأول بين الهيئة الإدارية وهيئة الرعاية التي تضم، نقيب
الصحافة محمد البعلبكي، هشام البسام مدير عام البنك
العربي، خير الدين حسيب مدير عام مركز دراسات الوحدة
العربية، الشيخ رشيد رسامني، رئيس مجلس غدارة شركة رسامني
يونس للسيارات، جهاد الزين، محلل سياسي في جريدة النهار،
طلال سلمان، ناشر جريدة السفير، توفيق عسيران رئيس جمعية
تنظيم الأسرة، جورج قرم وزير سابق، نائلة معوض نائب في
البرلمان اللبناني، أنطوان واكيم رئيس مجلس إدارة شركة
"سنا ", كما شارك من خارج الهيئة الإدارية نائب رئيس
الجامعة اليسوعية الدكتور هنري عويط، عميد معهد العلوم
الاجتماعية الدكتور ناصيف نصار، والدكتور ملحم شاول والأب
بولس وهبه.
قدم للقاء الدكتور زهير حطب نائب رئيس الجمعية،
فأشار إلى إدراك الجمعية لعمق الأزمات التي تواجهها معظم
بلدان العالم عموماً ولبنان بصورة خاصة، التي أطاحت بكل
التوازنات والتكيفات القائمة، وجعلتها تفتقر إلى أبسط
مقدرات الدفاع عن أوضاعها ومواقعها.
وأضاف أن هذه القضايا شكلت هواجس حقيقية بالنسبة للجمعية
اللبنانية لعلم الاجتماع، دفعتها للبحث عن أشكال وصيغ
للإسهام في تحليلها وتفسيرها وتوفير شروط أولية للتعاطي مع
نتائجها، فارتأينا أن نحمل هذه الهواجس لنطرحها للتشاور مع
نخبة مميزة من الشخصيات الناشطة في القطاعات الأكثر
تأثيراً ودينامية في المجتمع اللبناني في إدارة الأعمال
والإعلام والعمل الاجتماعي.
بعد ذلك ألقى رئيس الجمعية الدكتور أحمد بعلبكي كلمة جاء
فيها:
كان قصدنا أن مثل هذه الرعاية ستحرك في أهدافها البعيدة
أنواعاً من التحدي والاجتهاد للخروج من بداهة الاختزال إلى
عقلنة التكامل.
هذا ما كان عليه قصدنا، وما كانت عليه أهدافنا البعيدة من
دعوة أهل النظر والريادة إلى المشاركة في تشكيل هيئة
الرعاية للجمعية اللبنانية لعلم الاجتماع، وهذا ما صعب
فهمه وإفهامه في المقابلات الأولى التي امتدت على نحو من
ثمانية شهور، وكثيراً ما دخلنها متفائلين متهيبين وخرجنا
منه متسائلين:
-
هل نحجنا في توصيل مشروعنا وصورتنا إلى مخيلة كل شخصية
قابلنها صورة مغايرة للصور المألوفة عن الهيئات التي تبحث
عن مال أو عن جاه لدى أهل المال أو أهل الجاه؟
-
فكيف نرتقي في منهجية الإعلام عن الأوضاع الاجتماعية في
المناطق والقطاعات، وعن حدود التعويق والتنمية فيها؟
-
وكيف نرتقي في فهم التحولات المجتمعية العربية وما زال
يهيمنا في رصدنا لها التركيز على التغييرات الفوقية
لعائلاتها الحاكمة؟
-
وكيف يمكن أن نواكب الآثار الاجتماعية للعولمة
النيوليبرالية من دون المساهمة في البلورة والمساجلة حول
ثقافة العمل والسينورهات الجديدة للتأمينات الاجتماعية؟
-
وكيف يمكن أن لا يستثمر البحث السوسيولوجي لعشرات الباحثين
في القضايا والظواهر الاجتماعية في مداولات اللجان
البرلمانية المعنية بالشؤون الاجتماعية المباشرة؟
-
كيف نرتقي بالقطاع الاجتماعي قبل اعتماد وتطبيق ما يمكن
تسميته بالإيزو الاجتماعي الذي يحدد معايير الجودة في
تقديم الخدمات الاجتماعية وفي الترخيص للجمعيات الأهلية أو
في التعاقد الحكومي معها؟
-
كيف يمكن أن نرتقي بالبحث الاجتماعي ولا يزال قياس
المؤشرات الأساسية عن ميول التحولات الاجتماعية والتوثيق
عنها يرتبط بظروف الرؤى والتمويل الحكومي والدولي في
لبنان، وليس هناك من مرجعية بحثية مستديمة تشرف على إنتاج
التقرير الاجتماعي اللبناني، وتعتبره مشروعها الأول
والدائم تتشارك في إنتاجه الوزارات المعنية أو مع سواها من
المانحين اللبنانيين والدوليين؟
-
كيف يمكن أن نغفل الثوابت الأهلية وفرادة الظروف والفرص
التي حكمت سير الكثير من رجال الأعمال البارزين في لبنان،
وما هي حدود المغالبة التي تفرض عليهم للتكييف مع الشركات
العربية والأوروبية ومع مقتضيات منظمة التجارة العالمية؟
بعد ذلك تحدث ناشر السفير الأستاذ طلال سلمان باسم قطاع
الإعلام، فأشار إلى أنه قبل تجربته في "السفير" كان
المجتمع بالنسبة له يعني تلك الصفحة التي تسمى "صفحة
المجتمع" التي كانت تُعنى بالسهرات و النساء الجميلات. وفى
مرحلة لاحقة ومع صحفيين كبار كانت الدراسة ويليها مباشرة
البحث من المسائل الأكثر كرهاً بالنسبة لهم، والموضوع الذي
يزيد عن أربع أو خمس صفحات يعتبرونه قاتل للقارئ، وأن
الجملة القصيرة، اللمعة، النكتة، الطرافة هي المطلوبة
للقارئ.
مررت بهذه التجربة في مجلات وصحف عدة، وخرجت منه مشوشاً،
حيث التركيز على السياسي في بلد بلا سياسة، فتصريح لزعيم
يرد عليه زعيم مناقض له أهم بكثير من تحقيق عن معدومي
الدخل أو المناطق المحرومة والفقيرة، وأي بحث جدي في الشأن
الاجتماعي والاقتصادي كان مرفوض باعتبار أنه لا يوجد قارئ
له.
في الستينات والسبعينات دخل دم جديد على الصحافة، دخل
خريجي جامعات وأصبح للصحف اهتمام بالشأن العربي والسياسي
والاجتماعي والاقتصادي، بعد أن أصبح هناك تزاوج بين الحس
المهني والرغبة في المعرفة التفصيلية لواقع المجتمع وبين
احترام الرقم. وهذه هي المشكلة التي تواجهنا اليوم في
العمل الصحفي، حيث الرقم في لبنان هو أخر شيء محترم،
فالرقم إما وجهة نظر تعبر عن رأي صاحبها، أم سر حربي ممنوع
الوصول إليه، ابتداء من عدد السكان وصولاً إلى عدد
العاملين في الزراعة أو أي قطاع، فنحن ليس لدينا سرية
مصرفية فقط بل سرية الرقم. ومن جهة ثانية تواجهنا معضلة
تفسير الرقم وترجمته بالمعنى الاجتماعي والاقتصادي، هناك
مئات من الدراسات والاطروحات في الجامعات متراكمة ومنسية
ويأكلها الغبار ، في حين أنه هناك نقص فاضح في معرفة
واقعنا الاجتماعي في تفاصيله الاجتماعية، لذلك أفترض أن
مثل هذا اللقاء والتعاون بين أهل الإعلام ومن يعمل في حقل
الاجتماع، ممكن أن يعطي نتائج جيدة من خلال تحويل الدراسات
في العلوم الاجتماعية وترجمتها إلى مادة تحقيق وريبورتاج
معززة بالصورة والمشاهدة.
إضافة إلى ذلك، هناك نقص فاضح في المزاوجة بين الجامعة
والجهاز الإعلامي، حيث ما زلنا نتعاطى مع الأستاذ الجامعي
كخبير وليس كمحلل ومفسر للرقم والظواهر،اعتقد أنه هناك
مجال واسع للتعامل بين الصحافة وعلماء الاجتماع الذين
لديهم القدرة على الإمساك بالمنهجية.
بعد ذلك تحدث الدكتور انطوان واكيم رئيس مجلس إدارة شركة
"سنا " للتامين وعضو في مجلس إدارة الضمان الاجتماعي,
فأعتبر أن الاجتماع اليوم هو حدث مهم أن يأتي إلينا علماء
الاجتماع، فلأول مرة أشهد هذه العملية في لبنان، ثم انتقل
للحديث عن العولمة التي بدأت في لبنان منذ نهاية الحرب
وقبل أن يوقع اتفاق الشراكة الأوروبية، ولم نكن مهيئين
ذهنياً حول هذا الموضوع، ولذا لبنان سيخضع لعملية صعبة
لأنه غير محضر لهذا الدخول.
وأشار إلى التجربة الأوروبية التي توحدت بعد أن وحدت معنى
المواطنية، التي اعتبرت أن المواطن هو الذي يتمتع بحقوق
ثلاث هي: الحق الديقراطي والحق المدني والحق الاجتماعي.
واعتبرت أيضاً أن أي انتقاص من هذه الحقوق يعتبر تهميشاً
للمواطن، وعلى السياسيين أن يعملوا من أجل إخراجه من هذا
التهميش. نحن في لبنان لدينا الحق السياسي من خلال التصويت
والحق المدني موجود من خلال حرية الانتقال والسفر، أما
الحق الاجتماعي فهو مفقود،. ففي لبنان عندما يصبح الإنسان
عمره 65 سنة يأخذ تعويضاً، ثم يتوقف الضمان الصحي، وهذا
يعنى تعطيل الحق الاجتماعي، وبالتالي تهميشه والمحزن أن
الخطاب السياسي لا يلتفت إطلاقاً إلى فقدان الحق
الاجتماعي، الذي هو السبب الأساسي من أسباب هجرة الشباب في
لبنان الذين يرون ماذا يجري مع أهلهم، فيهاجرون من أجل
ضمان الحق الاجتماعي في شيخوختهم.
أما المسألة الثانية، فهي ثقافة العمل، فنحن في بلد يفتقر
كل يوم، وبعض الاقتصاديين يرون أنه إذا حضر بعض العرب
للاستثمار في لبنان فإن الأزمة الاقتصادية ستحل، وهذا خطأ.
فاللبناني الشاب أو الأقل شباباً ما هو قراره: البقاء في
البلد أم الهجرة؟
القسم الأكبر ليس لديه قرار بالبقاء، لأنه لا يوجد لدينا
ثقافة عمل، بل لدينا معادلة تقوم على ابتزاز الأبناء
لاهلهم من أجل الدراسة بهدف الهجرة، لذا علينا العمل على
إدخال ثقافة العمل إلى مناهجنا، وإذا لم ندخلها سنصبح
شعباً مُعالاً، لان الشباب يهاجرون وعندما نشيخ سنصبح
مشكلة وعبء على المجتمع.
المسألة الثالثة وتتعلق بتوجيه المؤسسات الخاصة أن تتحمل
مسؤوليتها في الجوانب الاجتماعية والبيئية والثقافية، من
خلال تحملها جزء من الوزر، فبدلاً من أن تذهب إلى الإعلان
الأعمى، هناك مجالات إيجابية من خلال مساهمتها في دعم
العمل الاجتماعي.
وتحدث الأستاذ توفيق عسيران رئيس جمعية تنظيم الأسرة عن
القطاع الاجتماعي، فأشار إلى توقعه أن يكون هناك مساهمة من
قبل الجمعية اللبنانية لعلم الاجتماع في:
1-
تحريك بعض توصيات المؤتمر الوطني الأول للجمعيات الأهلية
في لبنان.
2-
حث الطلاب في معهد العلوم الاجتماعية على القيام بدراسات
هادفة تكون نتائجها إيجابية على الجمعيات.
3-
تحديد مفهوم العمل الاجتماعي الأهلي وما هي المتطلبات التي
تسمح بان يكون ناطقاً باسم الشعب اللبناني.
4-
وضع مؤشرات تسهم في تحديد مفهوم المنظمات غير الحكومية،
وإبراز أعمق لمفهوم التطوع.
5-
وضع أسس ومعايير لتدريب العاملين في القطاعات الاجتماعية.
بعد ذلك فتح باب النقاش الذي أداره الدكتور خير الدين
حسيب الذي اعتبر أنه هناك ثلاثة شروط لنجاح أي مؤسسة بحثية
وهي: حرية البحث والتعبير، توفر الأشخاص للقيام بالبحث
وتوفر التمويل. وبناء على ذلك سأبدأ بالإشارة إلى أن
المؤسسة الثقافية العربية التي تقدم الدعم للمؤسسات
الثقافية العربية، ستبدأ من السنة القادمة بمنح الجمعية
مبلغ 5 آلاف دولار سنوياً. كما أنه هناك صيغ أخرى للتعاون
منها أن يقدم أعضاء الجمعية مشاريع أبحاث ميدانية إلى مركز
دراسات الوحدة العربية، على أن يتم تمويلها بعد تقييمها
بمنحة تبلغ 5000 آلاف دولار أميركي منها نسبة 20%
للجمعية،على أن يكون تحت إشرافها ، وينشر البحث بعد موافقة
المركز والجمعية. كما أتمنى أن تأخذ الجمعية اللبنانية دور
فاعل في الجمعية العربية لعلم الاجتماع، وسوف أبذل كل جهد
كي لا تكون الجمعية محتكرة من قبل أحد. وفي النهاية أقترح
أن ننظم مع الجمعية حلقة نقاشية حول " نسق القيم في لبنان:
الإيجابيات والسلبيات ".
بعد ذلك دار نقاش بين الحضور حول النقاط التي طرحت، شارك
فيه كل من : ملحم شاوول، طلال سلمان، جهاد الزين، النائب
نائلة معوض، الأب بولس وهبه، ناصيف نصار، منى مراد ،
عبدالله محي الدين، زهير حطب وأحمد بعلبكي.
|